``
هنا، على مشارف مكة، حيث يلتقي الحل بالحرم، وقفت الحديبية شاهدةً على لحظة فارقة في التاريخ، حين نسجت فيها حكمة النبي ﷺ خيوط المصالحة، وامتزجت فيها عزائم أصحابه بالصبر.
على ترابها تقدّم الصحابة بخطى يملؤها الشوق، أعينهم معلّقة بالكعبة، وقلوبهم تنبض بحلم العمرة، لكنّ الطريق أمامهم كان سدًا من التحديات، حيث وقفت قريش كالجدار الصلب.
وتحت ظلّ شجرة صارت رمزًا للوفاء، علت الأكف، وبايعت الأرواح قبل الأيدي، في مشهدٍ ارتجفت له القلوب، وخطّه التاريخ بمداد العزة والولاء، وباركه إله الأرض والسماء.
الحديبية: منطقة تاريخية، تقع على بعد (22كم) غربَ المسجد الحرام، اكتسبت أهميتَها لارتباطها بأحداث السيرة النبوية، فقد نزلَ فيها النبي ﷺ ، ومعه (1400) من أصحابه في السنة السادسة من الهجرة الموافق (628م) قاصدين مكة لأداء العمرة؛ فمَنَعَتهم قريش من دخول مكة، وتمت فيها بيعة الرضوان، التي امتدحها الله سبحانه في كتابه، وصلح الحديبية، الذي عقد بعد مفاوضات عدة بين النبي ﷺ وقريش، وانتهت بإرسالها سهيل بن عمرو ليصالح رسول الله ﷺ ، وقالوا له: لا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنّا عامَه هذا، فو الله لا تَحدَّث العرب: أنه دخل مكة علينا عنوة.
واتفق الطرفان، وكتبت وثيقة الصلح، ونصُّها: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، هذا ما صالحَ عليه محمدُ بنُ عبدِ الله سُهَيلَ بنَ عَمْرٍو. اصْطَلَحَا على وضعِ الحَربِ عن الناسِ عشرَ سِنينَ، يأمنُ فيهنَّ الناسُ، ويكفُّ بعضُهم عن بعضٍ، على أنه من أتى محمدًا من قريشٍ بغيرِ إذنِ وليّه رَدَّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمدٍ لم يردُّوه عليه. وإنّ بيننا عَيْبةً مكفوفةً، وأنه لا إسلالَ ولا إغلالَ، وأنه من أحبَّ أن يدخل في عقدِ محمدٍ وعهده دخل فيه، ومن أحبَّ أن يدخل في عقد قريشٍ وعهدهم دخل فيه".
وقد أعطت أحداث الحديبية صورة رفيعة لمكانة المرأة والأخذ بمشاورتها، فحين أمر النبي ﷺ أصحابه بنحر الهدي والتحلل لم يقم منهم أحدٌ، حتى دخل النبي ﷺ على أم سلمة رضي الله عنها، وذكر لها ذلك، فأشارت إليه بأن يخرج ولا يكلم أحداً، وينحر هديه ويحلق، فلما رأى أصحابه ذلك بادروا.
كما شهدت الحديبية معجزة نبع الماء من بين أصابع النبي ﷺ ، فعن جابر رضي الله عنه قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: "فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون"، قال: "فشربنا وتوضأنا". رواه البخاري. وعبر التاريخ زادت أهمية الحديبية بعد أن اتخذ الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه جدَّة ميناءً لمكة، بدلاً عن ميناء الشعيبة، عام 26هـ الموافق (647م)، فأصبحت محطة مهمة على الطريق بين مكة وجدة، وعلى طريق الحجاج القادمين من ميناء جدة.
في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة الموافق (628م)، خرج النبي ﷺ ومعه (1400) من أصحابه، قاصدين مكة لأداء العمرة، وساق معه الهدي، حتى إذا كان بعسفان، بلغه أن قريشاً تنوي منعه من دخول مكة، والقتالَ، فتجنب النبي ﷺ الاصطدام معهم، وسلك طريقاً آخر حتى نزل في الحديبية، وأرسل عثمانَ بنَ عفان رضي الله عنه إلى قريش ليطمئنهم بأنه جاء معتمراً، وليس مقاتلاً، فتأخر عثمان رضي الله عنه ، حتى أشيع مقتله، حينها عزم النبي ﷺ على الثأر لعثمان، فدعا أصحابه للبيعة على القتال، والثبات حتى الموت؛ فسارعوا لذلك.
وقد خلد القرآن الكريم بيعة الرضوان، والتي جسدت أسمى مراتب الولاء والتضحية والإيمان، وكانت رمزاً للوحدة والقوة.
تقع على بعد (450م) جنوب شرق مسجد الشميسي، على يمين الطريق للمتوجه إلى مكة المكرمة، وهي بئر تاريخية، يرجَّح أنها تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، كما يرجَّح أنها البئر التي حدثت فيها المعجزة النبوية يوم الحديبية، في تكثير الماء وإفاضته، حتى شرب الناس جميعاً.
وهي بئر دائرية الشكل، مبنية بالحجارة، يبلغ قطرها الخارجي (4,20م)، وفوهتها محاطة بجدار مبني بالحجارة والإسمنت، يبلغ ارتفاعه عند مستوى سطح الأرض (90سم)، وسمكه (70سم)، وعليها دعامتان لوضع محور البكرة، يبلغ ارتفاعهما قرابة المتر والنصف، ويوجد أثر لعتبات، تصعد إلى مستوى حافة البئر، من الجهة الشمالية الشرقية.
24/7
22 كم
ارتدِ ملابس مريحة للطقس الصحراوي مع حذاء مناسب للمشي، واحمل ماءً وقبعة وواقي شمس. اجعل زيارتك صباحًا أو قبل الغروب لتفادي الحرارة المرتفعة.
تاريخ آخر تحديث : 11/05/1447 - 11:22 ص بتوقيت السعودية